صديق الحسيني القنوجي البخاري

499

فتح البيان في مقاصد القرآن

كَذلِكَ أي مثل هذا التفصيل والتبيين نُفَصِّلُ الْآياتِ المشتملة على التحليل والتحريم لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أني أنا اللّه وحدي لا شريك لي فأحلوا حلالي وحرموا حرامي . قُلْ للمشركين الذين يتجردون من ثيابهم في الطواف والذين يحرمون أكل الطيبات إن اللّه لم يحرم ما تحرمونه بل أحله و إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ من الأفعال والأقوال جمع فاحشة أي كل معصية وقد تقدم تفسيرها ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ أي ما أعلن منها وما أسر ، يعني جهرها وسرها ، وقيل هي خاصة بفواحش الزنا ، ولا وجه لذلك ، وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « قال لا أحد أغير من اللّه من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من اللّه من أجل ذلك مدح نفسه » « 1 » ، أخرجه البخاري ومسلم . وَالْإِثْمَ هو يتناول كل معصية يتسبب عنها الإثم ، وهو عطف عام على خاص لمزيد الاعتناء بها ، وقيل هو الخمر خاصة ، وقد أنكره جماعة من أهل العلم ، قال النحاس : فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك وحقيقته أنه جميع المعاصي . قال الفراء : الإثم ما دون الحق والاستطالة على الناس انتهى ، وليس في اطلاق الإثم على الخمر ما يدل على اختصاصه به فهو أحد المعاني التي يصدق عليها قال في الصحاح وقد سمي الخمر إثما وقال الحسن وعطاء : الإثم من أسماء الخمر ، وقال ابن سيده صاحب المحكم : وعندي أن تسمية الخمر بالإثم صحيح لأن شربها إثم ، وأنكر أبو بكر بن الأنباري تسمية الخمر بالإثم قال : لأن العرب ما سمته إثما قط في جاهلية ولا إسلام ولكن قد يكون الخمر داخلا تحت الإثم لقوله : قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ [ البقرة : 219 ] . وقيل : الإثم صغائر الذنوب والفواحش كبائرها وقيل الإثم اسم لما لا يجب فيه الحد والفاحشة ما يجب فيه الحد من الذنوب ، وهذا القول قريب من الأول وقيل الإثم في أصل اللغة الذنب فيدخل فيه الكبائر والصغائر ، وقيل الفاحشة الكبيرة والإثم مطلق الذنب كبيرا كان أو صغيرا ، وأولى هذه الأقوال أولها . وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي الظلم المجاوز للحد والاستطالة على الناس ، وأفرده بالذكر بعد دخوله فيما قبله لكونه ذنبا عظيما كقوله وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [ النحل : 90 ] وإذا طلب ماله بالحق خرج من أن يكون بغير الحق .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 6 ، باب 7 ، وسورة 7 ، باب 1 ، والتوحيد باب 15 ، 20 ، ومسلم في اللعان حديث 17 ، والتوبة حديث 32 ، 33 ، 34 ، 35 ، والترمذي في الدعوات باب 95 ، وأحمد في المسند 1 / 381 ، 426 ، 436 ، 4 / 248 .